عبد اللطيف البغدادي

17

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

وأقوى من أضلّنى ابن سينا بكتابه في الصنعة الذي أتم به فلسفته التي لا تزداد بالتمام إلا نقصا » كما قال عن الشيخ عبد اللّه بن نائلى إنه كان يسأله عن أمور خسيسة فيعظمها ويكتبها منه وإنه لم يجده كما كان في نفسه . . . الخ . وفي سنة 585 ه ( 1190 م ) حيث لم يجد بعد في بغداد « من يملأ عينيه ، ويحل ما يشكل عليه » رحل إلى الموصل ، فلم يجد بها أيضا من يروق في نظره سوى الكمال بن يونس إذ وجده متضلعا في الرياضيات والفقه ، واستغرق عقله حب الكيمياء حتى صار يستخف بكل ما عداها . وعرضت على البغدادي بالموصل عدة مناصب اختار منها مدرسة مهاجر المعلقة ، ودار الحديث التي تحتها . ومما يدل على درجة اعتداده بنفسه أنه - بعد أن قام بالموصل سنة - قال إن أهل الموصل لم يروا من أحد قبله ما رأوه من العلم والاطلاع ، ونعت غيره بالحماقة وادعاء العلم بدون حق ، ومن هؤلاء الذين نال منهم الشهاب السهروردي . ورحل من الموصل إلى دمشق ، واجتمع بعلمائها ، وتفوق فيها - حسب قوله - على مناظريه ، وألف بعض المصنفات في غريب الحديث وفي العلوم الدينية ، ولم يعتق قلمه الدمشقيين ، فنال منهم كما سبق أن نال من غيرهم ، مثال ذلك أنه قال عن الكندي البغدادي البحري ، إنه كان معجبا بنفسه مؤذيا لجليسه ، وإنه جرت بينهما مباحثات أظهره اللّه تعالى عليه فيها ، وإن كان وصفه بأنه كان شيخا ، بهيا ، مثريا له جانب من السلطان . وبعد دمشق ذهب هذا الدائم التجوّل إلى صلاح الدين بظاهر عكا حيث اتصلت بأهلها شهرته من قبل ، فذهب به بعضهم إلى الشيخ القاضي الفاضل فسأله الشيخ عن بعض أقوال اللّه سبحانه وتعالى وهو لا ينقطع عن الكتابة والإملاء ، ونجم عن هذا اللقاء أن عرض عليه القاضي الفاضل الجرايات في دمشق ، فأصر البغدادي على الذهاب إلى مصر ، فحمّله مكتوبا إلى وكيله بها ابن سناء الملك - وكان لهذا المكتوب أطيب الأثر إذ قابله الوكيل بحفاوة جمة وأجزل له العطاء ، وعرّف أرباب الدولة بأنه ضيف القاضي الفاضل ، فانهالت